أبو حامد الغزالي

126

تهافت الفلاسفة

بفعل الفاعل ، فكونه مسبوقا بعدم ليس بفعل الفاعل فلا تعلق له به ، فاشتراطه في كونه فعلا ، اشتراط ما لا تأثير للفاعل فيه بحال . وأما قولكم إن الموجود لا يمكن إيجاده ؛ إن عنيتم به أنه لا يستأنف له وجود بعد عدم فصحيح ، وإن عنيتم به أنه في حال كونه موجودا ، لا يكون موجودا بموجد ، فقد بينا أنه يكون موجودا في حال كونه موجودا ، لا في حال كونه معدوما ، فإنه إنما يكون الشئ موجودا ، إذا كان الفاعل له موجودا ، ولا يكون الفاعل موجدا في حال العدم ، بل في حال وجود الشئ منه ، والإيجاد مقارن لكون الفاعل موجدا ، وكون المفعول موجودا ، لأنه عبارة عن نسبة الموجد إلى الموجود ، وكل ذلك مع الوجود لا قبله ، فإذ لا إيجاد إلا لموجود ، إن كان المراد بالإيجاد النسبة التي يها يكون الفاعل موجدا ، والمفعول موجودا . قالوا : ولهذا قضينا بأن العالم فعل اللّه تعالى أزلا وأبدا ، وما من حال إلا وهو تعالى فاعل له ، لأن المرتبط بالفاعل الوجود فإن دام الارتباط دام الوجود ، وإن انقطع ، انقطع ، لا كما تخيلتموه من أن الباري تعالى لو قدّر عدمه ، لبقى العالم ، إذ ظننتم أنه كالبناء مع البناء ، فإنه ينعدم البنّاء ، ويبقى البناء ، فإن بقاء البناء ليس بالباني ، بل هو باليبوسة الممسكة لتركيبه ، إذ لو لم تكن فيه قوة ممسكة ، كالماء « 1 » مثلا ، لم يتصور بقاء الشكل الحادث بفعل الفاعل فيه . والجواب أن الفعل يتعلق بالفاعل من حيث حدوثه ، لا من حيث عدمه السابق ولا من حيث كونه موجودا فقط ، فإنه لا يتعلق به في ثاني حال الوجود « 2 » عندنا - وهو موجود - بل يتعلق به في حال حدوثه ، من حيث إنه حدوث وخروج من العدم إلى الوجود ، فإن نفى عنه معنى الحدوث ، لم يعقل كونه فعلا ، ولا عقل تعلقه بالفاعل . وقولكم إن كونه حادثا ، يرجع إلى كونه مسبوقا بالعدم ، وكونه مسبوقا بالعدم ، ليس من فعل الفاعل وجعل الجاعل ، فهو كذلك ، لكنه شرط في كون الوجود فعل الفاعل - أعنى كونه مسبوقا

--> ( 1 ) مثل للذي ليس فيه قوة . ( 2 ) في نسخة « الحدوث » .